عندما يسقط منزل حبيب صادق المتحف !
نشرت صفحة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي صور المنزل العائد إلى مؤسس المجلس والنائب السابق حبيب صادق، وقد دمرته إسرائيل في بلدة الكفور، وكتبت: “هذا المنزل المتكئ على إحدى تلال بلدة الكفور، والمنعزل بين أشجار الصنوبر البعيد عن عيون الفضوليين، لم يكن منزلاً عادياً بل كان ملتقى للأدباء والمثقفين وأصحاب الرأي والأصدقاء”.
متحفٌ للفنون، يزدان بشتى اللوحات الرائعة لنخبة من الفنانين الجنوبيين وغيرهم، كما حديقته الجميلة وفيها من الأنصاب والمنحوتات الحجرية ما لا تسأم من مشاهدته. ولا ننسى المكتبة العامرة بمختلف أنواع الكتب والمطبوعات التي تضفي رونقاً على المك

فيه، كان يستقبلك الأديب الراحل الأستاذ حبيب صادق بكلمة “يا عزيزي”، وبأكواب الشاي المحبوكة التي هي الطبق الرئيسي لضيافته، وبإهدائه لك آخر الإصدارات الأدبية للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وتبدأ رحلة الكلام بالثقافة والأدب بعيداً من السياسة التي لا مكان لها في محضر المكان.

منزل حبيب صادق، هذا المكان المَعلَم الذي غاب عن الحضور المعنوي بعد وفاة صاحبه منذ ثلاث سنوات، يغيب اليوم نهائياً عن الحضور بفعل غارة عدوة غادرة ليل 4-9- 2026 لكنه سيبقى حاضراً في قلوب محبيه وأصدقائه”.
وأصدر المجلس الثقافي بياناً جاء فيه:
العدوان الإسرائيلي يدمر منزل حبيب صادق قرب النبطية.
في خضم الحزن والقهر على أرواح الجنوبيّين الأبرياء ممّن يسقطون في كلّ يوم على مذبح الوطن والانتماء، وبيوتهم التي قوّضها العدوان الإسرائيليّ المتمادي في قرى وبلدات دُمّرت بأكملها، أو في حيّز كبير منها، ومعها امّحت أدواتهم ومقنتياتهم وأملاكهم ومكتباتهم ودلائل تربطهم بذاكرتهم وتاريخهم، يأتي تدمير منزل الأديب والمناضل الوطنيّ الأستاذ حبيب صادق في بلدة الكفور غرب مدينة النبطية، ليل أمس، الرابع من أيلول (سبتمبر) 2026، ليضيف إلى خسارات أبناء الجنوب خسارة كبيرة لما يحتويه هذا البيت الجميل الذي بناه الأستاذ حبيب وعائلته، بشغاف القلب وبريق العيون وعشق الأرض، من منحوتات ولوحات تشكيليّة وكتب ومخطوطات خاصّة وعامّة، بعدما نقل إليه كثيراً من ذاكرته المخطوطة بيده، المتراكمة في بيروت خلال سبعة عقود أو من أعمال فنّيّة لتشكيليّين ونحّاتين مبدعين خالدين.

بين جدران البيت الذي بدأ تشييده منذ العام 2010 على نمط جنوبيّ غير معقّد، وكان يشكّل حلماً من أحلام صاحبه المتنشّق على الدوام رائحة تراب الجنوب، المتعلق بأرضه وبيئته وناسه، شهدت غرفه ومقاعده على حسن ضيافة واستقبال كانا يميّزان الأديب الراحل حينما حول البيت الرابض على رابية من روابي الجنوب إلى منتدى ثقافي وأدبيّ وفنّيّ دار بين جدرانه كثير من الجلسات والمناقشات والقرارات الثقافيّة والاجتماعيّة والأدبيّة المتعلّقة بتكريم المبدعين وإحياء النشاطات والمعارض والأمسيات، وفي صناعة الكتب وطباعتها من بينها الكتاب المعرفة “حوار الأيّام” الذي يتناول سيرة أمين عام المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ نفسه حبيب صادق.
في قاعته الكبيرة استقبل الأستاذ حبيب، الموسيقار مرسيل خليفة وأميمة الخليل ونقيب المصوّرين الصحافيّين في لبنان يومها جمال السعيدي، وكان حوار مطوّل حول قصيدة “نشيد الانتفاضة” أو “انهض للثورة والثأر” مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارو) التي كتبها الأديب الراحل ولحنها مرسيل وأنشدتها فرقته ويقول مطلعها:
انهض للثورة والثأر
إنهض كهبوب الإعصار
وارجم أعداءك بالنار
واهتف بالصوت الهدّار
الثورة.. الثورة.. الثورة.. الثورة نهج الأحرار
وكذلك قصيدة أرض الجنوب التي كتبها حبيب صادق ولحنّها مرسيل خليفة وأنشدتها أميمة الخليل بعدما باتت تشكل نشيد الجنوب والجنوبيّين، مطلعها:
شدّي عليكِ الجرح وانتصبي/ عبر الدجى رمحاً من اللهبِ/ يا ساحة الأنواء كَمْ عصفَت/ فيها خيول الهول والرعبِ/ فالأرض فيها وجه مذبحةٍ/ والجوّ أمطار من الشهبِ/ لم يبقَ غصنٌ غير منتهبِ/ لم يبقَ وجهٌ غير مستلبِ…


وفيه حلّت وجوه أدبيّة عربيّة وعالميّة ومحلّيّة، وشعراء ومخرجون وتشكيليّون، إلى وجوه جنوبيّة كانت تحمل إلى هذا البيت حفنة من تراب القرى وعبقاً من أسمائها، فتضعها بين يدي الأديب الذي تحبّ وتقدّر، فتتحوّل إلى بلسم وأدب وديوان ورواية، لا سيّما تلك الذكريات المتنقّلة بين تلال كفرشوبا وسفوح حولا وفوق هضاب ودروب القرى الجنوبيّة الحدوديّة والداخليّة وأسمائها الحسنى.
ثمّة لوحات مختلفة لفنّانين تشكيليّين عظام راحلين وأحياء مهداة له من أصحابها، نقلها الأستاذ حبيب من بيروت إلى الكفور، ومن هذه اللوحات التي كان يحبّها كثيراً لوحة “امرأة التبغ” للفنّان التشكيليّ الراحل ناظم إيراني
وثمّة لوحات مختلفة لفنّانين تشكيليّين عظام راحلين وأحياء مهداة له من أصحابها، نقلها الأستاذ حبيب من بيروت إلى الكفور، ومن هذه اللوحات التي كان يحبّها كثيراً لوحة “امرأة التبغ” للفنّان التشكيليّ الراحل ناظم إيراني (1930 – 2014) رسمها في العام 1975 بألوان الشمع (الباستيل) وتمثّل امرأة جنوبيّة يمتدّ جسدها على مساحة الأرض المزروعة تبغاً. وثمّة لوحات لبول غيراغوسيان (1926- 1993) ورفيق شرف (1932- 2003) وحسن جوني وشربل فارس وحسين ياغي ومنحوتاتمن أعمال المهندس سليمان سليمان.
في السنوات الأخيرة، قبل رحيل الأستاذ حبيب في الأوّل من تمّوز/يوليو 2023، نقل إلى الديوانيّة السفلى في بيت الكفور صناديق تحتوي على مئات المخطوطات من حلقات إذاعيّة كان قد قدّمها عبر أثير إذاعة لبنان، إلى مقالات وأفكار تمثّل رصيداً ثميناً من ذاكرة “عزيزنا” السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي نتمنّى التنقيب عنها من بين الركام لعلّنا ننقذ بعضاً منها، ما يعوّض قليلاً من خسارة هذا البيت الجنوبيّ الحافل بالتاريخ الأصيل والثقافة المجدية التي أعطت أهله وجميع اللبنانيّين، من خلال أدب صاحبه أو من خلال منبر وقاعات المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ، كلّ ما يخدم قضيّة الجنوب الذي عانى وأهله وسكّانه منذ قيام هذا الكيان الصهيونيّ على أرض فلسطين العام 1948، قتلاً وتهجيراً ودماراً وفتكاً بذاكرته ومكتباته وتاريخه على مختلف الصعد.
إنّ المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ، يدين بأشدّ العبارات هذا العدوان السافر على جنوب لبنان وأهله وأرزاقهم وديارهم، لا سيّما منزل الأديب الكبير حبيب صادق وعائلته، الذي كان بمثابة بيت الجنوبيّين كلّهم وجزءاً لا يتجزّأ من المجلس الثقافيّ للبنان الجنوبيّ، وعلى صورته المثلى. ويطالب الدولة اللبنانيّة بالتدخل الفوريّ وعلى أعلى المستويات الدوليّة لوقف هذه المجزرة المستمرّة بحقّ أبناء الجنوب فتزهق أرواحهم وتدّمر بيوتهم وأرزاقهم من دون حسيب أو رقيب على رغم القرار الصادر بوقف إطلاق النار، منذ 19 حزيران/يونيو الماضي”
في السنوات الأخيرة، قبل رحيل الأستاذ حبيب في الأوّل من تمّوز/يوليو 2023، نقل إلى الديوانيّة السفلى في بيت الكفور صناديق تحتوي على مئات المخطوطات من حلقات إذاعيّة كان قد قدّمها عبر أثير إذاعة لبنان، إلى مقالات وأفكار تمثّل رصيداً ثميناً من ذاكرة “عزيزنا” السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي نتمنّى التنقيب عنها من بين الركام لعلّنا ننقذ بعضاً منها، ما يعوّض قليلاً من خسارة هذا البيت الجنوبيّ الحافل بالتاريخ الأصيل والثقافة المجدية التي أعطت أهله وجميع اللبنانيّين، من خلال أدب صاحبه أو من خلال منبر وقاعات المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ، كلّ ما يخدم قضيّة الجنوب الذي عانى وأهله وسكّانه منذ قيام هذا الكيان الصهيونيّ على أرض فلسطين العام 1948، قتلاً وتهجيراً ودماراً وفتكاً بذاكرته ومكتباته وتاريخه على مختلف الصعد.
إنّ المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ، يدين بأشدّ العبارات هذا العدوان السافر على جنوب لبنان وأهله وأرزاقهم وديارهم، لا سيّما منزل الأديب الكبير حبيب صادق وعائلته، الذي كان بمثابة بيت الجنوبيّين كلّهم وجزءاً لا يتجزّأ من المجلس الثقافيّ للبنان الجنوبيّ، وعلى صورته المثلى. ويطالب الدولة اللبنانيّة بالتدخل الفوريّ وعلى أعلى المستويات الدوليّة لوقف هذه المجزرة المستمرّة بحقّ أبناء الجنوب فتزهق أرواحهم وتدّمر بيوتهم وأرزاقهم من دون حسيب أو رقيب على رغم القرار الصادر بوقف إطلاق النار، منذ 19 حزيران/يونيو الماضي”


وكتبت الصحافية بادية فحص:
في الليلة الماضية دمّرت إسرائيل بيت حبيب صادق في النبطية. خلال الاعتداءات على مدينة النبطية في حرب الإسناد الأولى، دمّرت غاراتها الحاقدة مبنى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في حيّ الميدان، الذي أسّسه حبيب صادق مع مجموعة من المثقّفين والفنّانين والشعراء والأدباء الجنوبيين في الستينيات، من بينهم والدي، وأقام فيه معنى لا جسداً حتى آخر يوم في حياته.
عاش حبيب صادق في بيت مستأجر في حيّ البياض في النبطية، إلى أن استطاع بناء بيته الخاصّ في قرية الكفور المتّكئة على كتف النبطية، ولكن ظلّ المجلس بيته الأوّل، وبيتنا جميعاً، نحن بناته وأبناؤه بالروح لا بالدم كما كان يقول…
الخيام مسقط رأس حبيب صادق، كان نصيبها من الإبادة كبيراً جدّاً. تدمير وحرق وترميد واحتلال إلى أجل غير معلوم…
كأنّ الحرب الإسرائيلية في جبل عامل هي على الرموز، ربما هي كذلك منذ البداية ونحن لم ندرك هذه الحقيقة إلا متأخّرين. كل ما هو جميل وأصيل ويرمز إلى هويّة جبل عامل وذاكرته، إلى “أرض الجنوب” تبحث عنه وتقضي عليه…
من قصيدة “أرض الجنوب” التي كتبها حبيبنا الصادق وغنّتها جميلتنا أميمة الخليل:
*أرض الهوى العذري ما ارتحلت/ إلا إليها رعشة الهدبِ
والأغنيات الخضر ما نزلت/ إلا على ينبوعها العذبِ
أفديك بالأيّام لم تشبِ/ أفديك بالأقمار لم تغبِ”.
وخسارة منزل حبيب صادق ومقتنياته بسبب العدوان الإسرائيلي من ضمن مئات المنازل المعروفة التي كانت تحفظ ذاكرة وثقافة الجنوب ولبنان، من منزل ومتحف الفنان عبد الحميد بعلبكي في العديسة إلى منزل الباحث أحمد بيضون في بنت جبيل إلى منازل المرجعيات السياسية كآل الزين في كفررمان وآل ميرزا في النبطية… وبحسب المعلومات المتداولة كان منزل حبيب صادق أشبه بمتحف بتضمن مقتنياته الشخصية وأرشيفه وكتبه ولوحات لفنانن معروفين مثل “التبغ” لناظم إيراني ومنحوتة لسليمان سليمان. وكان المنزل أشبه بحلمه الشخصي بعد تدمير منزل أهله في الخيام العام 2006.
(المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وجريدة المدن)

