ArticlesFeatured

المغترب اللبناني في زمن الحرب: ألمٌ على مسافة وطن

ليس الألم دائماً في قلب الحدث. أحياناً يكون أشدّ وطأة حين يُعاش من بعيد.

المغترب اللبناني الذي يتابع الحرب في بلده يعيش تجربة مختلفة من القلق والعجز. فهو لا يختبر أصوات الطائرات المسيّرة التي تجوب السماء ليلاً، ولا يستيقظ على دويّ الغارات التي تغيّر ملامح الأحياء في لحظات، لكنه في المقابل يواجه نوعاً آخر من المعاناة: مراقبة الخطر وهو يقترب من من يحب دون القدرة على التدخل.

في لبنان، تتبدل حياة العائلات بسرعة. فمع تصاعد التوترات الأمنية واتساع دائرة الضربات، اضطر كثيرون إلى مغادرة منازلهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية لبيروت بحثاً عن أماكن أكثر أماناً في مناطق أخرى من البلاد، نحو الشمال أو جبل لبنان. وبين التحذيرات العسكرية المتكررة التي تدعو السكان إلى الابتعاد عن مناطق معينة، والضغوط الاقتصادية التي تجعل النزوح أكثر صعوبة، تجد العائلات نفسها أمام واقع قاسٍ من التشتت المؤقت وعدم اليقين.

نقف نحن المغتربين أمام هذه المشاهد عبر الشاشات. نتابع الأخبار والتقارير، ونقلب بين منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية مثل قناة الحدث، محاولين أن نفهم ما يجري ولنطمئن على أن الخطر لم يصل بعد إلى منازل أهلنا. وبين رسالة هاتفية وأخرى، أو اتصال فيديو سريع، تتشكل صورة الحياة الجديدة التي يعيشها الأهل: منزل مختلف، حيّ غير مألوف، وروتين يومي يُبنى على القلق أكثر مما يقوم على الاستقرار.

المفارقة أن المغترب يمتلك ما يفتقده أهله في الداخل: وقتاً للنوم، وهدوءاً نسبياً، وإمكانية الابتعاد عن الضجيج المباشر للحرب. لكنه يدرك في الوقت نفسه أن هذه المسافة لا تحمي القلب من الألم. فكيف يمكن للإنسان أن يشعر بالطمأنينة بينما يعيش أقرب الناس إليه حالة دائمة من الترقب والخوف؟

كثيراً ما تتحول هذه المشاعر إلى صور ذهنية تتكرر بلا توقف. مشاهد من الحياة البسيطة التي كانت تبدو عادية في زمن السلم، لكنها اليوم تكتسب قيمة مختلفة. صورة الأم وهي تعتني بالزرع في حديقة المنزل في الجنوب، ضحكات الجيران في المساء، ورائحة التراب بعد الريّ تحت شمس هادئة. تفاصيل صغيرة كانت تشكّل إيقاع الحياة اليومية، لكنها باتت اليوم ذكريات معلّقة لا أحد يعرف متى يمكن استعادتها.

ورغم كل ذلك، يبقى للمغترب شعور متناقض بين العجز والمسؤولية. فهو قد لا يستطيع تغيير مجرى الأحداث، لكنه يحاول أن يخفف شيئاً من وطأتها. أحياناً يكون ذلك عبر دعم مادي، أو عبر ترتيب مكان مؤقت تقيم فيه العائلة بعيداً عن مناطق الخطر. وقد يتحول العثور على غرفة صغيرة في منطقة أكثر أمناً، مثل كسروان او المتن، إلى إنجاز كبير يمنح الأهل هدنة قصيرة من القلق.

في النهاية، لا يعيش المغترب الحرب كما يعيشها من بقي في الداخل، لكنه لا يعيش بعيداً عنها أيضاً. فهو عالق بين عالمين: عالم يوفر له الأمان النسبي حيث يقيم، وعالم آخر يسكنه قلبه حيث يعيش أهله وذكرياته.

ربما لهذا السبب يبدو الألم في المنفى أكثر تعقيداً. إنه ألم لا تصاحبه أصوات الانفجارات، لكنه يتسلل بهدوء عبر الأخبار والاتصالات والانتظار الطويل. انتظار أن يمرّ هذا الوقت، وأن يعود الوطن مكاناً للحياة لا مجرد خبر عاجل على الشاشة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *