مقالات

الصحة النفسية بين النزوح والاحتضان…

المديرة العامة أمل رعد

في الحرب، لا تُقاس الخسائر فقط بعدد الأبنية المهدمة أو الأرواح التي تُفقد، بل هناك خسائر صامتة غير مرئية تعيش داخل النفوس (خسائر تُسمى الصحة النفسية)

حين يُجبر الإنسان على ترك منزله، ذكرياته، تفاصيل يومياته البسيطة.

النازح يحمل بحقيبته قلقاً، خوفاً، وشعوراً دائماً بعدم الأمان. الليل بالنسبة له ليس وقت راحة، بل مساحة مفتوحة للقلق. الأصوات العادية قد تتحول إلى إنذارات في داخله. الأطفال يرسمون الحرب في دفاترهم بدل الأحلام. الكبار يحاولون التماسك، لكن في داخلهم حكايات من الوجع والتعب لا تُحكى.

في الجهة الاخرى، هناك مجتمعات فتحت ابوابها وبيوت استقبلت غرباء اصبحوا فجأة جزءأً من يومها.

المستضيفون أيضاً يعيشون تحدياً نفسياً من نوع آخر، فهم بين إنسانيتهم التي تدفعهم للعطاء وبين ضغط الواقع اليومي وضيق الموارد وتغير نمط حياتهم. قد يشعرون بالإرهاق أو الذنب عند التقصير، أو حتى التوتر من تفاصيل صغيرة لم تكن موجودة سابقاً.

مع ذلك، يحدث شيء جميل رغم كل هذا التعب. ينشأ نوع جديد من التضامن، لتصبح القلوب أوسع من البيوت، ويتعلم الناس أن الاحتواء ليس فقط مكاناً، بل إحساس بالإنسانية.

الصحة النفسية بزمن الحرب تحتاج إلى وعي جماعي:
أن نفهم أن الخوف طبيعي، أن البكاء ليس ضعفاً واستسلاماً،
وأن طلب الدعم ليس عيباً.

كلمة طيبة قد تخفف حمل يوم كامل، وابتسامة صادقة قد تعيد توازناً مفقوداً، والأهم… أن نعطي أنفسنا والآخرين مساحة تعبير عن الوجع والتعب دون حكم.

في النهاية… الحرب قد تسرق الكثير، لكن قدرتنا على التعاطف والوقوف مع بعضنا هي الشيء الذي لا يجب أن نخسره.

لأن النجاة لا تكون فقط بالبقاء على قيد الحياة… بل بالحفاظ على إنسانيتنا، وهنا تكمن صحتنا النفسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *