جنوب لبنان على إيقاع التصعيد…بين الرسائل العسكرية واحتمالات الانفجار الكبير
منذ ساعات الفجر الأولى، بدا واضحاً أنّ ما يجري لم يعد مجرّد جولات متقطّعة من القصف، بل مسار تصاعدي يتّخذ شكلاً أكثر تنظيماً واتساعاً. الغارات الإسرائيلية التي توزّعت بين الجنوب والبقاع لم تأتِ معزولة أو عشوائية، بل حملت في توقيتها وانتشارها الجغرافي إشارات إلى نمط عملياتي جديد، يقوم على ضربات متفرّقة في الشكل، مترابطة في المضمون والرسائل. في البقاع الغربي، دخلت بلدة مشغرة دائرة الاستهداف، في خطوة تعكس توسيع رقعة العمليات خارج الإطار التقليدي للجنوب.
لم تهدأ وتيرة الغارات، حيث سُجّلت النبطية الفوقا ضمن بنك الأهداف، فيما عادت بنت جبيل إلى الواجهة، مع ضربات طالت محيط مستشفى الشيخ صلاح غندور، في مشهد يعيد طرح تساؤلات دقيقة حول حدود الاشتباك، ومدى الالتزام بالقواعد التي طالما جرى الحديث عنها في النزاعات السابقة. اللافت في هذا التصعيد أنّ بعض الضربات حملت طابعاً مختلفاً. ففي أوتوستراد حبوش – النبطية، استُهدف مبنى بصاروخين لم ينفجرا، في تفصيل تقني يفتح باب التأويل على أكثر من احتمال: هل هو خلل تقني؟ أم رسالة غير مباشرة؟ أم مجرّد صدفة في سياق ناري مفتوح على كل الاحتمالات؟ في الحروب، التفاصيل الصغيرة غالباً ما تحمل دلالات أكبر من حجمها.
ولم تتوقف العمليات عند هذا الحد. بعد منتصف الليل، دخلت كفرتبنيت دائرة الاستهداف، فيما سُجّل استهداف مباشر لسيارة عند مثلث برج الملوك – الخيام – كفركلا، ما أدّى إلى سقوط جرحى. هذا التطور يعكس انتقالاً تدريجياً من استهداف المواقع الثابتة إلى الأهداف المتحركة، وهو تحوّل يحمل دلالات ميدانية حساسة، خخصوصاً لجهة دقة الرصد وتوسّع دائرة المخاطر. في سهل الخيام، بدا المشهد أكثر قسوة، مع استهداف طال مزارعين في أرضهم، في صورة تختصر هشاشة الواقع الميداني، المدني لم يعد على هامش المواجهة، بل بات في قلبها. هذا النوع من الضربات يرفع منسوب القلق، ليس فقط أمنياً، بل إنسانياً أيضاً، في ظل غياب أي خطوط فصل واضحة بين ما هو عسكري وما هو مدني.
جنوباً، لم تكن القطراني بعيدة عن بنك الغارات، فيما عادت بنت جبيل لتُستهدف في منطقة صف الهوا، من دون تسجيل إصابات، لكن مع تثبيت واضح لوتيرة الاستهداف داخل المدن والبلدات، وليس فقط في الأطراف أو المناطق المفتوحة. هذا التحوّل يعكس محاولة فرض معادلة ضغط أوسع، تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية.ما يجري على الأرض لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأكبر.
التصعيد في لبنان يتقاطع بوضوح مع تطورات متسارعة في المنطقة، حيث تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتتشابك الجبهات من الخليج إلى العراق وصولاً إلى سوريا ولبنان. في هذا السياق، لم يعد الجنوب ساحة منفصلة، بل جزءاً من شبكة اشتباك إقليمي تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية. وفي موازاة ذلك، يبرز عامل إضافي لا يقل أهمية، يتمثل في مسار العمليات البرية المحتملة. فتكثيف الضربات، خصوصاً على محاور الطرق والبنى التحتية ومحيط البلدات، قد يشير إلى مرحلة تمهيدية تهدف إلى تغيير قواعد الميدان، أو على الأقل فرض وقائع جديدة قبل أي تحرك أوسع. هذا السيناريو، وإن لم يتبلور بالكامل بعد، يبقى حاضراً في حسابات المراقبين.في المحصلة، يبدو أنّ لبنان، وتحديداً جنوبه، دخل مرحلة مختلفة من التصعيد: ليست حرباً شاملة حتى الآن، لكنها لم تعد أيضاً مجرّد رسائل محدودة أو اشتباكات موضعية. نحن أمام منطقة رمادية تتّسع يوماً بعد يوم، تُرسم حدودها بالنار، وتُحدَّد قواعدها على وقع الغارات.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى أين يتّجه هذا المسار؟ هل يبقى ضمن سقف التصعيد المضبوط، أم ينزلق إلى مواجهة أوسع لا يمكن احتواؤها بسهولة؟ في انتظار الإجابة، يدفع الجنوب، كعادته، ثمن موقعه على خط تماس دائم مع تحوّلات المنطقة.

