مميز

عيد في لبنان: أمّ تحمل بيتها مرّتين…

في 21 آذار، لا يشبه عيد الأم في لبنان أي مناسبة أخرى. لا ورد ولا أغنيات تكفي لتغطية هذا الثقل المتراكم في صدور الأمهات. في بلد اعتاد الحروب كأنها فصول متكرّرة، تعيش كثير من النساء اليوم نزوحاً ثانياً خلال عامين فقط، وكأن الذاكرة لم تُمنح فرصة للشفاء أصلاً. الحقيبة نفسها تُحمل، الأطفال أنفسهم يُوقظون على عجل، والخوف ذاته يتبدّل شكله من مكان إلى آخر. الأم هنا لا تحتفل، بل تعيد ترتيب خسائرها، وتحاول أن تقنع نفسها أن هذه المرّة أيضاً ستمر.

في مراكز الإيواء، تتشابه القصص وإن اختلفت الأسماء. أمّ تجلس أمام فراغ لا يُرى، تستعيد وجهاً غاب في حرب سابقة، وأخرى تحصي أبناءها كل ليلة كأنها تخشى أن ينقص العدد فجأة. بين أم فقدت، وأم تنتظر، وأم تهرب من مكان إلى آخر، تتشكّل صورة الأمومة في لبنان كفعل بقاء يومي. لا وقت للانهيار، ولا مساحة للحزن الكامل. حتى الدموع تُؤجَّل، لأن هناك دائماً طفلاً يحتاج إلى حضن، أو سؤالاً يحتاج إلى جواب لا تملكه.

لكن المعاناة لا تبدأ مع الحرب ولا تنتهي معها. سنوات طويلة من الانهيار الاقتصادي والهجرة القسرية سرقت من الأمهات أبناءهن ببطء. كثيرات ربّين أولادهن ليغادروا، لا ليبقوا. بيوت امتلأت ثم فرغت، ونساء وجدن أنفسهن وحيدات بعد عمر من التضحية. أمّ تنظر إلى هاتفها بانتظار اتصال من ابن في الغربة، وأخرى تقنع نفسها أن البعد أرحم من مصير مجهول في وطن لا يهدأ. حتى في الأمان النسبي، يبقى القلق حاضراً: على من رحل، وعلى من بقي، وعلى مستقبل لا يبدو واضحاً.

ورغم كل ذلك، تستمر الأمهات هنا بما يشبه المعجزة الصامتة. يطبخن، يهدّئن، يبتسمن حين يجب أن ينهار كل شيء. لا يحتجن إلى خطابات تمجيد، فحياتهن نفسها شهادة يومية على قوة لا تُرى. ما يحتجنه أبسط بكثير: أن يتوقّف هذا النزيف المفتوح، أن يستيقظ أطفالهن يوماً من دون خوف، وأن يعود معنى العيد إلى ما كان عليه يوماً—فرح بسيط، لا يُقاس بعدد من نجوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *