لا رياحَ تجري بما تشتهي سفنُنا. نحن فينيقيو هذه الأرض، الذين مخرت سفنُ أجدادهم عبابَ البحر. لكننا اليوم محاصرون بحروبٍ كثيرة؛ اختلفنا حول أسمائها، وهرعنا لنصير وقوداً لها. ودائماً نلجأ إلى طائر الفينيق الذي ينتفض من تحت الرماد، فنزرع الأمل غصباً عمّا قُدّر لنا وما نُقدّره لأنفسنا.
كلما رفعنا الأشرعة وقلنا إن العواصف انتهت، فاجأنا النوّ، فحطّم مراكبنا ومزّق أشرعتنا. لا ننكر تعاطف العالم حولنا؛ كم من مرّة جُدِّدت سفننا وخِيطت أشرعةٌ جديدة. لكن اليوم، يبدو أن الجميع يئس منا. نحن نرتق أشرعتنا بخيوطٍ بالية، ونصلح مراكبنا بمسامير صدئة.
نحن محاصرون بأزمةٍ اقتصادية غير مسبوقة؛ أزمة أكلت العملة الوطنية، وصادرت ودائع الناس حتى “فلس الأرملة”. وها نحن خرجنا من حربٍ ودخلنا في حربٍ من دون علمنا، فيما ظلّ طائر الفينيق حاضراً، يصفّق بجناحيه، فيتناثر الرماد ونحلق به من جديد.
غير أن ما يتربص بنا اليوم حالة فريدة عمّا يحصل لشعوب الأرض. نحن نصطاد الأنواء والعواصف، ونرمي بأنفسنا في لجج الكوارث، حتى لم يعد أحد يهتم لحالنا، ولا يهرع لخدمتنا، ولا يجدّد أشرعتنا. فكيف نبحر في مراكب أجدادنا؟
ألسنا في جميع نواحي الأرض؟ أليس أبناؤنا المنتشرون مصدر فخرٍ لنا بنجاحهم؟ يحملون لبنان في قلوبهم، ويفاخرون بانتمائهم إليه، ونفتخر نحن بهم، متمايزين عن أمم هذا الشرق.
ألسنا مطبعته ومدرسته وجامعته ومستشفاه؟ ألسنا مقصفه وبيت الكرم الذي يستضيف الجميع؟ ألم يحن الوقت لنقلع عن اصطياد العواصف؟
الآن، نعم الآن، نحن في حربٍ تهدد وجود هذا الوطن. حان الوقت أن نتوقف عند حدّنا، قبل أن نترك للعدو فرصة أن يهددنا ويتولى أمرنا.
أشرف الناس نحن جميع اللبنانيين. وأشرف السلاح هو سلاح جيشنا الوطني. وأفضل الحكومات هو الدستور وتطبيق القوانين، القوانين التي يجب أن يحترمها الجميع.