لبنان تحت النار… الجنوب يُعاد رسمه بالقصف والسياسة عاجزة
يقف لبنان مجددًا أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقدم الوقائع الميدانية على أي مسار سياسي، في ظل تصعيد إسرائيلي واسع يطال الجنوب والضاحية ومناطق أخرى، مقابل ردود مستمرة من “حزب الله”، ما يعكس انزلاقًا نحو مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي.
ميدانيًا، شهدت الجبهة الجنوبية ارتفاعًا حادًا في وتيرة العمليات، مع إطلاق عشرات الصواريخ من لبنان باتجاه الجليل الأعلى والغربي، أسفرت عن قتيلة وعدد من الجرحى داخل إسرائيل، بحسب إعلامها. في المقابل، كثفت إسرائيل غاراتها، مستهدفة بنى تحتية ومواقع عسكرية، وأعلنت تدمير معابر وجسور على نهر الليطاني، في خطوة تُفسَّر كمحاولة لعزل الجنوب وفرض واقع أمني جديد يمتد حتى النهر.
التصريحات الإسرائيلية عكست بوضوح هذا التوجه، مع تأكيد وزير الأمن يسرائيل كاتس أن عودة سكان الشمال والجنوب مرتبطة بإبعاد التهديد الصاروخي، مشيرًا إلى السيطرة على محاور استراتيجية ومنع أي وجود مسلح في تلك المنطقة. هذا الطرح يعيد إلى الواجهة سيناريو “الشريط الأمني” ولكن بصيغة أكثر حدّة.
في الميدان اللبناني، لم تهدأ الغارات، إذ طالت مدينة صور ومحيطها بسلسلة ضربات عنيفة خلال وقت قصير، إضافة إلى استهدافات في النبطية وصيدا وبشامون. وسُجّلت إصابات بين المدنيين، في حين أدى استهداف مباشر إلى سقوط مسعفين، في مؤشر خطير على اتساع دائرة الاستهداف.
كما شهدت الضاحية الجنوبية ليلة قاسية مع غارات متتالية طالت أحياء سكنية، في تصعيد لافت يطال العمق اللبناني، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي على علو منخفض فوق بيروت وجبل لبنان.
في المقابل، أعلن “حزب الله” تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكدًا استهداف ثكنات ومواقع عسكرية على امتداد الحدود، في إطار الرد على الغارات الإسرائيلية.
سياسيًا، برز تطور لافت مع قرار لبنان سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني، في خطوة وُصفت بأنها تحمل أبعادًا تتجاوز الإطار الدبلوماسي، وسط تفسيرات إسرائيلية اعتبرتها تحولًا مهمًا في المشهد اللبناني.
على خط موازٍ، دخلت باريس على خط التهدئة، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى وقف التصعيد خلال اتصالاته مع الجانب الإسرائيلي، في وقت تتواصل فيه المساعي الدولية لمنع توسع الحرب، من دون تحقيق أي اختراق ملموس حتى الآن.
أما داخليًا، فيبقى الانقسام السياسي عاملًا إضافيًا يعقّد المشهد، خصوصًا في ما يتعلق بملف التفاوض وآلياته، في ظل تمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بمقاربات محددة، ما يعكس غياب موقف لبناني موحد في لحظة مفصلية.
وفي تطور ميداني لافت، أثار انفجار في أجواء كسروان حالة من القلق، تبين لاحقًا أنه ناتج عن تفكك صاروخ في الجو، وسط تضارب المعلومات حول هدفه، ما يعكس اتساع رقعة التهديد لتشمل مناطق بعيدة عن خط المواجهة التقليدي.
في المحصلة، يبدو لبنان عالقًا بين تصعيد عسكري يتجه نحو تثبيت وقائع جديدة بالقوة، وعجز سياسي عن مواكبته أو احتوائه. وبين هذا وذاك، تتزايد المخاوف من أن تكون هذه المرحلة مقدمة لتحولات أعمق، قد تغيّر شكل الجنوب وقواعد الاشتباك في المنطقة لفترة طويلة.

