نار وضغط… مفاوضات تحت القصف
تشهد المنطقة تصعيداً غير مسبوق في المواجهة بين إيران وإسرائيل، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية مكثفة تشير إلى وجود مسار تفاوضي غير مباشر لم يُغلق بعد. فبينما تتكثف الاتصالات بين أطراف إقليمية ودولية، تواصل العمليات العسكرية فرض وقائع ميدانية جديدة قد تعيد رسم ملامح الصراع.
في هذا السياق، تتحدث تقارير إعلامية عن دور روسي في نقل رسائل بين طهران وواشنطن، في محاولة لفتح نافذة تفاوض، فيما أشارت تقارير صادرة عن وكالة “أسوشييتد برس” وصحيفة “نيويورك تايمز” إلى تحرك باكستاني للدخول على خط الوساطة، بعد اتصالات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار البحث عن مخرج دبلوماسي للأزمة.
ميدانياً، شهدت الساعات الماضية تصعيداً لافتاً، إذ أطلقت إيران موجات متتالية من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في واحدة من أعنف الضربات المباشرة. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن عدداً من الصواريخ تم اعتراضه، فيما أصابت صواريخ أخرى أهدافاً داخل إسرائيل، من بينها منشأة حيوية للطاقة في مدينة حيفا، ما يعكس تطوراً في طبيعة الهجمات ودقتها.
في المقابل، كثفت إسرائيل غاراتها الجوية على أهداف داخل إيران، شملت مناطق في شمال البلاد والعاصمة طهران، حيث استهدفت منشآت مرتبطة ببرنامج الصواريخ، بما في ذلك مواقع يُعتقد أنها لتطوير صواريخ بعيدة المدى، إضافة إلى ضربات في محيط العاصمة ومناطق جنوبها، طالت أهدافاً وُصفت بالاستراتيجية.
بالتوازي، تواصل الولايات المتحدة تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، مع إرسال قوات بحرية إضافية، في خطوة تُفسَّر على أنها رسالة ردع، لكنها أيضاً تعكس استعداداً للتعامل مع سيناريوهات تصعيد أوسع.
على الصعيد السياسي، تبرز نقطة جوهرية في الموقف الإيراني، تتمثل في سعي طهران للحصول على ضمانات واضحة بعدم استهداف النظام، وهو مطلب تعتبره القيادة الإيرانية أولوية تتقدم على سائر الملفات، في ظل قناعة بأن الهدف النهائي لواشنطن وتل أبيب يتجاوز البرنامج النووي إلى بنية النظام نفسه. في المقابل، تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة شددت شروطها التفاوضية، ما يزيد من تعقيد فرص التوصل إلى اتفاق قريب.
وتعتمد إيران في إدارتها للأزمة على ما تصفه بـ”الصبر الاستراتيجي”، القائم على التقدم المحسوب وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، رغم التصعيد العسكري. غير أن هذا النهج يواجه اختباراً صعباً في ظل الضربات المتبادلة واتساع رقعة الاستهداف.
في الوقت ذاته، تواجه طهران تحديات متزايدة على مستوى علاقاتها الإقليمية، إذ تشير التقديرات إلى تآكل عنصر الثقة مع عدد من الأطراف، من بينها تركيا ودول الخليج وأذربيجان، ما قد ينعكس على مستقبل العلاقات الاقتصادية والتجارية حتى في حال توقف العمليات العسكرية.
وترى إيران نفسها في موقع متقدم ميدانياً، وهو ما قد يدفعها إلى تعزيز خطابها الأيديولوجي في إدارة الصراع، سواء داخلياً أو عبر حلفائها في المنطقة. غير أن هذا التوجه يطرح تساؤلات حول مدى قدرة النظام على التكيف مع ضغوط المرحلة، وما إذا كانت الأولوية ستبقى للحفاظ على الثوابت الأيديولوجية أم لاعتبارات البقاء السياسي.
في المقابل، يبدو أن ثمة تبايناً في الأهداف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ يركز الخطاب الإسرائيلي على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل مباشر، بينما لا تخفي واشنطن اهتمامها بإحداث تغييرات أعمق في بنية النظام، وهو ما ينعكس في الرهانات على تحولات داخلية محتملة.
من جهتها، حذرت الأمم المتحدة من خطورة استهداف مواقع قريبة من منشآت نووية، معتبرة أن أي تصعيد في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على مستوى المنطقة بأكملها.
في المحصلة، يقف الصراع عند مفترق حساس: تصعيد عسكري مفتوح على احتمالات خطرة، يقابله حراك دبلوماسي حذر. وبينهما، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد لا تعود بعدها الأمور إلى ما كانت عليه، حتى في حال التوصل إلى تهدئة مؤقتة.

