سياسة

الخولي يعترض دستورياً ومالياً على مشروع قانون معاشات الرؤساء الروحيين: لا يجوز تحويل الخزينة العامة إلى صندوق امتيازات طائفية في دولة تعاني الانهيار المالي

أعلن المنسق العام الوطني للتحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة، مارون الخولي، اعتراضه على مشروع القانون المعجل المكرر المحال بموجب المرسوم رقم 3904 تاريخ 21/9/2026، والرامي إلى منح الرؤساء الروحيين للطوائف الإسلامية الأربع معاشاً تقاعدياً وتقديمات صحية من الخزينة العامة، معتبراً أن هذا المشروع يثير إشكاليات دستورية ومالية عميقة، ويكرّس منطق الاستثناء والامتيازات في وقت يرزح فيه لبنان تحت أزمة مالية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. وقال الخولي إن الاعتراض لا يستهدف بأي شكل من الأشكال مقام الرؤساء الروحيين أو أدوارهم الدينية والوطنية والاجتماعية، وإنما ينطلق من واجب حماية الدستور والمال العام ومبدأ المساواة بين اللبنانيين، مؤكداً أن أي تشريع يمسّ الإنفاق العام يجب أن يخضع لأعلى درجات التدقيق الدستوري والمالي، ولا سيما في دولة فقدت فيها رواتب الموظفين والمتقاعدين قيمتها، ويعيش فيها مئات آلاف اللبنانيين من دون نظام تقاعد فعلي أو حماية اجتماعية كافية. ورأى أن المشروع يطرح إشكالية دستورية جوهرية في ضوء المادة 7 من الدستور التي تنص بوضوح على أن: «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون فرق بينهم»، معتبراً أن منح نظام تقاعدي ممول من الخزينة لفئة محددة من الرؤساء الروحيين، دون إطار عام ومتكافئ يشمل سائر الفئات التي تتماثل معها في الوضع القانوني، يستوجب التدقيق الجدي في مدى انسجامه مع مبدأ المساواة وعدم التمييز. كما يستند الاعتراض إلى المادة 9 من الدستور التي تكفل احترام الدولة لجميع الأديان والمذاهب، مؤكداً أن احترام التنوع الديني لا يعني إنشاء امتيازات مالية عامة على أساس الانتماء الطائفي، وأن الدولة التي تحترم جميع الطوائف مطالبة بأن تتعامل معها على قاعدة المساواة والحياد، لا على قاعدة ترتيب امتيازات مالية متفاوتة بين المكونات الدينية.

واعتبر الخولي أن حصر المشروع بالرؤساء الروحيين للطوائف الإسلامية الأربع، في ظل وجود 18 طائفة معترفاً بها قانوناً في لبنان، يفتح حكماً سؤالاً دستورياً وحقوقياً حول معيار التمييز ومبرره: فإذا كان الأساس هو طبيعة الموقع الروحي وأهميته الوطنية والاجتماعية، فلماذا لا يكون المعيار عاماً وموحداً؟ وإذا كان الأساس هو وظيفة محددة، فما هو السند القانوني الذي يبرر منح امتياز تقاعدي لفئة دون غيرها؟ وأكد أن المسألة لا يمكن أن تعالج بمنطق «الاستثناء الطائفي»، لأن المساواة لا تتجزأ، والمال العام ليس ملكاً لفئة أو طائفة أو سلطة، بل هو مال جميع اللبنانيين. وفي هذا السياق، شدد الخولي على أن المشروع يحتاج إلى تدقيق خاص أيضاً في ضوء المادة 88 من الدستور، التي تمنع عقد قرض أو ترتيب إنفاق من مال الخزينة إلا بموجب قانون، مشيراً إلى أن هذه القاعدة لا تعني تلقائياً إخضاع الرؤساء الروحيين لنظام الموظفين، بل تؤكد أن أي التزام مالي جديد على الدولة يجب أن يستند إلى تشريع واضح وصريح ومحدد الأعباء والآثار. وأضاف أن المادة 16 من الدستور تحصر السلطة التشريعية بمجلس النواب، وبالتالي فإن إحالة مشروع قانون إلى المجلس النيابي هي المسار الدستوري الطبيعي، إلا أن وصف المشروع بأنه «معجل مكرر» لا يعفي السلطة التنفيذية من تقديم الأسباب الموجبة والدراسات المالية والقانونية التي تبرر هذا الاستعجال، ولا يحوّل صفة العجلة إلى وسيلة لتجاوز التدقيق التشريعي أو المالي. ورأى الخولي أن الأخطر هو غياب الدراسة المالية الواضحة التي تبيّن حجم الالتزام الذي ستتحمله الخزينة، وعدد المستفيدين الحاليين والمحتملين، والكلفة السنوية للمعاشات والتقديمات الصحية، ومصدر التمويل، وآلية احتساب المعاشات، ومدى ارتباط المشروع بأي نظام تقاعدي شامل للدولة. وقال: «كيف يمكن لحكومة تدير دولة تعاني عجزاً مالياً وانهياراً في القدرة الشرائية ورواتب تقاعدية فقدت القسم الأكبر من قيمتها أن تقرر إنشاء التزام مالي دائم من دون أن تقدم للرأي العام وللسلطة التشريعية رقماً واضحاً لكلفته ومصدراً واضحاً لتمويله؟» وشدد على أن إنشاء نظام تقاعد خاص من دون ربطه بإصلاح شامل لمنظومة التقاعد والحماية الاجتماعية يشكل إخلالاً بأولويات التشريع العام، إذ لا يجوز أن تسبق معالجة أوضاع فئة محددة معالجة أزمة عشرات آلاف الموظفين والمتقاعدين والعاملين الذين لا يتمتعون أصلاً بنظام تقاعد عادل ومستدام. وأضاف: «إذا كانت الحكومة تعتبر أن غياب التقاعد عن أصحاب المواقع الروحية يمثل ثغرة تشريعية تستوجب المعالجة، فالحل ليس إنشاء امتياز تقاعدي انتقائي، بل وضع نظام عام واضح وشفاف وعادل يحدد الحقوق والواجبات والمعايير ويمنع التمييز بين اللبنانيين». واعتبر الخولي أن المشروع يتعارض كذلك مع طبيعة الدولة اللبنانية القائمة على المواطنة والحقوق المدنية المشتركة، وأن معالجة الحقوق المالية على أساس الانتماء الطائفي تعيد إنتاج منطق المحاصصة بدلاً من بناء دولة المؤسسات والقانون. وأوضح أن وصف لبنان بأنه دولة «علمانية مدنية» يجب أن يُفهم في إطار فصل إدارة الشأن العام عن الامتيازات الطائفية، لا في إطار المساس بحرية الأديان أو أدوارها، مؤكداً أن الدولة المدنية الحقيقية تحمي الدين ولا تستخدمه معياراً لتوزيع المال العام.

ودعا الخولي مجلس الوزراء ومجلس النواب إلى إعادة النظر بالمشروع وعدم تمريره بصيغة استثنائية قبل إخضاعه لتدقيق دستوري ومالي وقانوني كامل، وإلى نشر دراسة مالية شفافة تتضمن الكلفة الحالية والمستقبلية ومصادر التمويل وعدد المستفيدين، وإلى بيان الأساس الدستوري والقانوني الذي يبرر حصر الاستفادة بفئات دينية محددة دون سواها. وختم الخولي بالقول: «نحن أمام حكومة لا تزال عاجزة عن تأمين معاش تقاعدي كريم وعادل لمئات آلاف اللبنانيين، ولا تزال تعالج انهيار رواتب موظفيها ومتقاعديها، فيما تُطرح فجأة تشريعات تمنح امتيازات تقاعدية دائمة لفئة محددة. هذه ليست مسألة دينية، بل مسألة دولة ودستور وعدالة مالية. المال العام يجب أن يخضع لمعيار واحد: المساواة، الضرورة، الشفافية والاستدامة. وأي تشريع يقوم على التمييز في توزيع الأعباء والمنافع العامة، أو يفتقر إلى مبرر دستوري ودراسة مالية جدية، يجب أن يبقى عرضة للرقابة الدستورية والقضائية، لأن الدستور لا يعرف امتيازاً طائفياً عندما يتعلق الأمر بحقوق اللبنانيين وأموال الخزينة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *