قبلان: المطلوب أن نعبر من الطائفة إلى المواطن والعدالة والدولة القوية التي لا تبيع شعبها
وجّه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة في الذكرى الـ48 لتغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين، استعاد فيها رؤية الإمام الصدر للبنان ودعوته إلى بناء دولة المواطنة والعدالة والسيادة.
وأكد قبلان أن الإمام الصدر نظر إلى تاريخ لبنان من موقع الإنسان الذي دفع ثمن الأزمات، مؤمناً بأن لبنان، بما يمثله من لقاء بين الإسلام والمسيحية، يستحق التضحية، وأن حماية صيغته الوطنية تبدأ بضمان حقوق جميع المواطنين في الانتماء والسيادة والمواطنة بعيداً عن التمييز والحرمان.
وشدد على أن المواطنة لا تعني امتلاك جواز سفر لبنانياً فحسب، بل أن تكون للمواطن حصة متساوية في الوطن ومستقبله، وأن تكون الدولة مسؤولة عن تأمين الأمن والتعليم والرعاية والخدمات والعدالة والمشاركة السياسية لكل أبنائها.
وأشار إلى أن الإمام الصدر اعتبر الحرمان نتيجة لفشل السلطة في تحقيق قيم المواطنة والأمن الإنساني، مؤكداً أن معالجة الفوارق بين المناطق والمواطنين، ولا سيما في الجنوب والبقاع وعكار، مسؤولية وطنية وسيادية.
وقال قبلان بالتشديد على أن السيادة الوطنية يجب أن تكون بوصلة العمل السياسي، وأن السلطة إمّا أن تكون ضامناً وطنياً لحقوق الشعب ومستقبله، أو تكون جزءاً من المشكلة
وأكد أن الصيغة الوطنية اللبنانية تقوم على تحويل الطوائف إلى «عائلة لبنانية» واحدة، ما ينفي منطق «المنتصر والمهزوم». ورأى أن اعتماد السلطة هذا المنطق يهدد الصيغة الوطنية، مشدداً على أن المنتصر الحقيقي هو من يبني الدولة ويحمي الأمن والسيادة، لا من يخضع لإملاءات الخارج.
واعتبر أن المظلوم والمحروم ليس «بضاعة للتاريخ»، بل إنذاراً له، وأن السلطة تكون وطنية عندما تحمي البلاد وسيادتها وحقوق مواطنيها، مؤكداً، في قراءة لموقف الإمام موسى الصدر، أن لا قداسة للسلطة لمجرد كونها سلطة، بل بقدر ما تكون ضامناً فعلياً للوطن والسيادة.
وشدد على ضرورة الانتقال من «توازن الطوائف» إلى «توازن المواطنة»، وحماية المصلحة اللبنانية بعيداً عن الضغوط الخارجية. كما رفض منطق حماية طائفة عبر إضعاف أخرى، معتبراً أن ضمانة لبنان تكمن في دولة توافقية تدافع عن شعبها وأرضها وسيادتها.
وربط بين المقاومة وفشل السلطة في أداء دورها الدفاعي، معتبراً أن القوة الشعبية تصبح مشروعة عندما تتخلى المؤسسات الوطنية عن حماية الوطن. وأكد أن المعيار ليس الموقف من المقاومة تأييداً أو رفضاً، بل وظيفة القوة في حماية الأرض والشعب والدولة والسيادة.
أضاف، بالتأكيد أن قضايا المظلومية، وفي مقدمها القضية الفلسطينية، تشكل مقياساً للقيم الوطنية والإنسانية، وأن الشرعية يجب أن تكون للحقوق والعدالة، لا للأقوى أو لسلطة مرتبطة بالتزامات خارجية.
وأضاف أن لبنان يصبح شريكاً لفلسطين وسائر البلدان المهددة والمعتدى عليها، معتبراً أن فقدان الفلسطيني حقه في الأرض والسيادة ينعكس على حق اللبناني في الدولة والأمن والحماية والتنمية، ولا سيما أبناء الجنوب الذين يفتقدون الاستقرار والفرص الوطنية.
وانتقد السلطة الحالية، متهماً إياها بتهميش الجنوب والطائفة الشيعية والعمل وفق مصالح خارجية، مؤكداً أن مقاومة الظلم والاستبداد والفساد والدفاع عن الأرض والسيادة حق وطني، وأن وقف إطلاق النار لا يعني الاستسلام، بل معالجة الأسباب التي تدفع اللبنانيين إلى الدفاع عن أرضهم وسيادتهم.
وشدد على أن التاريخ لا يُقاس بمن حكم أو تولّى الرئاسة، بل بمن حافظ على وطنه وأرضه وشعبه وسيادته، محذراً من أن التفريط بهذه الثوابت سيبقى وصمة تلاحق من ارتكبه.
وتابع قبلان محذّراً من أن تراكم الظلم والحرمان وفقدان الأمل قد يقود إلى انفجار يصعب احتواؤه، مؤكداً رفض تحويل الاستسلام السياسي إلى أداة للمشروع الأميركي والإسرائيلي في لبنان. وطالب السلطة بإثبات وطنيتها من خلال حماية الجنوب وأهله ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، معتبراً أن التخلي عن هذه المسؤولية يفقدها شرعيتها الوطنية.
وأكد أن رؤية الإمام موسى الصدر قامت على ربط شرعية الدولة بحماية المواطن والعدالة للمحرومين، وعلى اعتبار السيادة والأمن والحقوق مسؤولية مشتركة بين جميع اللبنانيين، مشدداً على أن الجنوب ليس منفصلاً عن سائر المناطق، وأن وظيفة الدولة هي حمايته لا تهميشه أو خنقه.
وأشار إلى أن الإمام الصدر عمل على دمج المهمّشين، ولا سيما الشيعة، في الدولة ومؤسساتها، وسعى إلى تحويل قضية الحرمان من قضية طائفية إلى قضية مواطنة وعدالة تشمل الجميع، بهدف مواجهة الطائفية السياسية وبناء دولة عادلة ومتساوية.
وختم قبلان بالدعوة إلى الانتقال من منطق الطائفة إلى المواطنة، ومن الظلم إلى العدالة، ومن العدالة إلى الدولة القوية التي تحمي شعبها وسيادتها، مؤكداً أن الدولة بلا مواطنة وعدالة ومساواة تفقد جوهرها، وأن الدفاع عن الأرض والسيادة، وفق هذا المنطق، يمثل ضرورة وطنية.

