لم يعد وطنكم يشبهني…
المديرة العاَمة
أمل رعد
كنتُ أعرف لبنانَ آخر.
لبنانًا كانت الطرقات فيه تؤدي إلى بعضها،
لا إلى المتاريس.
وكانت البيوت، مهما اختلفت أبوابها،
تفتح نوافذها على سماءٍ واحدة.
كنتُ أعرف وطنًا
إذا نزلتَ من الجبل إلى بيروت،
لم تسأل: من أي طائفة أنت؟
وإذا ذهبتَ إلى الجنوب،
لم يسألك البحر عن اسمك ولا عن مذهبك.
وإذا مررتَ بالبقاع،
استقبلك القمح كما لو أنك ابن الأرض منذ الأزل.
كان لبنان يعرف كيف يجمعنا.
في بيروت،
كانت المقاهي تعرف وجوهنا أكثر مما تعرف انتماءاتنا،
وفي الأسواق كانت اللهجات تختلط،
وفي المدارس كان التلميذ يتعلم أن الوطن أكبر من طائفته،
وفي المسارح كانت الأغنية تجمع ما عجزت السياسة عن جمعه.
وكانت فيروز…
حين كانت تغني لبيروت،
لم تكن تغني لحيٍّ ولا لطائفة،
كانت تغني لمدينةٍ تسكن الجميع.
كانت تقول لنا إن الصباح يمكن أن يأتي من بين الركام،
وإن بيروت، مهما تعبت،
تبقى امرأةً لا تنحني.
وكان فخر الدين…
حين كان يحلم بلبنان أقوى،
لم يكن يبني مجدًا لاسمٍ واحد،
بل كان يزرع فكرة وطن
يمكن أن يكون له مكان بين الأمم.
وكانت بعلبك ترفع أعمدتها إلى السماء،
كأنها تقول للعالم:
هنا مرّ التاريخ…
وهنا بقي لبنان.
وكانت جبيل تحفظ في حجارتها
أبجديةً لم تكن مجرد حروف،
بل رسالةً خرجت من هذه الأرض
لتعلّم العالم كيف يكتب.
وكانت طرابلس تختزن في أسواقها القديمة
رائحة التاريخ،
وصيدا تنام على حكايات البحر،
والجنوب يحمل في ترابه ذاكرةً لا تموت،
والبقاع يفتح سهوله لكل من جاء طالبًا رزقًا أو حلمًا.
كان لبنان صغيرًا على الخريطة،
لكنه كان كبيرًا في قلوب العالم.
كانوا يتغنون به….
كان لبنان وطنًا يصدّر الثقافة
قبل أن يصدّر أبناءه.
كان أبناؤه يسافرون ليعودوا،
ثم تغيّر كل شيء…
لم ينكسر لبنان في يومٍ واحد.
بدأت الحكاية بشقوق صغيرة،
ثم كبرت الشقوق،
حتى صار كل واحد منا يعيش في لبنان الذي يراه هو،
لا في لبنان الذي يجمعنا.
صرنا نختلف قبل أن نتحاور،
ونتهم قبل أن نفهم،
ونخاف من بعضنا
قبل أن نتذكر أننا أبناء الأرض نفسها.
صار الوطن مقسّمًا في الكلام،
وفي الذاكرة،
وفي الأحلام.
ثم بدأ أبناؤنا يرحلون.
واحد يحمل شهادته،
وآخر يحمل حقيبته،
وثالث يحمل صورة أمه،
ورابع يحمل مفتاح بيتٍ
يعرف في أعماقه أنه قد لا يعود إليه.
وهاجر الشاب الذي كان يجب أن يبني هنا.
حتى الأحلام صارت تحتاج إلى جواز سفر.
لبنان لم يعد يصدّر أبناءه فقط…
صار يصدّر مستقبله.
وأصبح السؤال المؤلم:
من سيبقى؟؟؟
وهنا…
في أعلى الجبل،
حيث بقي شيء لم يستطيعوا تقسيمه،
كنت انا أنظر إلى المدن
انظر إلى المدن…
فأبحث عن الوجوه التي رحلت.
وأسمع صوت فيروز،فأتذكر بيروت
وأقرأ في حجارة فخر الدين
حلم وطنٍ لم يكتمل.
أنظر إلى المدارس الفارغة،
إلى البيوت المغلقة،
إلى المطارات الممتلئة بأبنائها،
وإلى شبابٍ يحملون شهاداتهم
بحثًا عن وطنٍ آخر.
ثم تهزني الرياح ويصمت الجميع.
انا من سكنت في تلك المساحة البيضاء التي عندما ترفرف تهز العالم
نعم…
انا الارزة!!!!!
أنا التي بقيت واقفة
حين رحلتم.
أنا التي رأت لبنان قبل أن يصبح أسماءً متنازعة،
وقبل أن يصبح كل واحد منكم
يبحث عن وطنه داخل الوطن.
أنا التي شهدت على قرونٍ من التاريخ
لم تستطع أن تقتلعني من هذه الأرض.
أنا التي كان العالم يتغنى ببلادي
لكنني اليوم…
أنا حزينة.
لأنني أرى أبناء لبنان
يهاجرون من لبنان.
حتى أنا صرت أخاف أن أهاجر.
ليس من الأرض…
بل من الذاكرة.
أخاف أن أهاجر منكم،
أن أبحث عن وطنٍ جديد
يحفظ معنى العلم الذي أحمله.
نعم…
حتى الأرزة تريد أن تهاجر من علمكم…
إذا بقي العلم وحده في السماء،
بينما الوطن الذي يمثله
يتفتت تحت أقدام أبنائه.
فلا تقولوا إن لبنان ضاع.
أنتم الذين تبتعدون عنه كل يوم.
عودوا إلى وطنٍ
تكون فيه الطائفة جزءًا من هويته،
عودوا!!!!
لأنني لا أريد أن أكون مجرد أرزة
على علمٍ جميل
فوق وطنٍ يتشقق.
أريد أن أبقى أرزة لبنان…
لا أرزة الذاكرة.
فإن كنتم قد نسيتم من أنا…
سأقول لكم، للمرة الأخيرة:
لم يعد وطنكم يشبهني……

