(من الصحافة العالمية) “إذا لم نكن على الطاولة، فنحن على قائمة الطعام”الخلاف الكندي ـ الأميركي: من الشراكة التاريخية إلى توظيف التجارة كسلاح
مقال من صحيفة الغارديان البريطانية للكتابة الرئيسية ليبي بروكس وهي تسأل المراسل ليلاند سيكو إعداد ميديا متن
تتمتع الولايات المتحدة وكندا بواحدة من أقوى العلاقات الثنائية في التاريخ الحديث. فهما تشتركان في أطول حدود غير محمية في العالم، إلى جانب روابط تجارية وأمنية وثقافية عميقة.
لكن الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب أحدثت شرخاً جوهرياً في القيم والتفاهم المشترك اللذين جمعا البلدين لعقود. وقد هدد ترامب مراراً بضم كندا، طمعاً في الوصول إلى مواردها المعدنية الحيوية.
تولى مارك كارني، المحافظ السابق لبنك إنجلترا، منصب رئيس الوزراء الكندي العام الماضي، في خضم الحروب التجارية التي شنّها ترامب، وذلك من دون أن يكون قد شغل سابقاً أي منصب عام منتخب. ومنذ توليه السلطة، أصبح كارني أول زعيم غربي يعترف علناً بالخطر الذي يمثله ترامب على النظام العالمي.
وفي خطاب بارز ألقاه في يناير/كانون الثاني في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حثّ كارني «القوى المتوسطة» مثل كندا على «العمل معاً، لأنه إذا لم نكن حاضرين على طاولة المفاوضات، فسنكون على قائمة الطعام».
ويبدو أن الرسوم الجمركية أصبحت إحدى أبرز أدوات التعبير عن هذا الانقسام السياسي.
بدأت الحرب التجارية المستمرة بين الولايات المتحدة وكندا في فبراير/شباط 2025، عندما فرض ترامب، لفترة وجيزة، رسوماً جمركية بنسبة 25% على معظم الواردات من كندا والمكسيك. وردّت كندا بالمثل، واستمر النزاع التجاري بين البلدين وسط توتر سياسي متزايد.
وفي ظل هذه الخلفية، يقول ليلاند إن الصحفيين مثله «يحاولون معرفة حجم ما حدث».
ما آخر المستجدات؟
في منشور على موقع «تروث سوشيال» في وقت متأخر من ليلة الثلاثاء الماضي، أعلن ترامب أن التوصل إلى «اتفاق» مع كندا بات في مراحله النهائية.
وكان ترامب قد أرجأ لمدة ثلاثة أيام فرض رسوم استيراد باهظة كان يهدد بفرضها، والتي كان من شأنها أن تؤثر في مجموعة واسعة من السلع، من المعاطف الواقية من المطر إلى زينة عيد الميلاد. وقال البيت الأبيض في يوليو/تموز إن هذه الرسوم، البالغة 50%، جاءت رداً على ما وصفه بـ«المعاملة التمييزية» من جانب كندا.
ويوم الجمعة، أقرّ مسؤولون كنديون بأن التوصل إلى الاتفاق لا يزال وشيكاً، إلا أن المفاوضات انهارت بعد نحو 24 ساعة.
وانسحبت كندا من المفاوضات قبل ساعات من دخول التعريفات الجمركية البالغة 50% على سلع كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، أي نحو 14.6 مليار جنيه إسترليني، حيز التنفيذ يوم السبت. واتهم كارني الولايات المتحدة باستخدام «التكامل الاقتصادي كسلاح».
وفي اليوم التالي، تعهدت كندا بفرض رسوم جمركية انتقامية على أساس «دولار مقابل دولار» على مئات السلع الأميركية اعتباراً من الشهر المقبل، ما دفع ترامب إلى وصف الموقف الكندي بأنه «متعنت وغير منطقي».
وتختلف تفاصيل ما حدث وتفسيراته باختلاف الروايات.
كان موقف كارني أن الولايات المتحدة تنتهك خطاً أحمر يتعلق بحماية اللغة الفرنسية. وتنص القوانين الكندية حالياً على إلزام الشركات العاملة في كيبيك، المقاطعة ذات الأغلبية الناطقة بالفرنسية، بتوفير السلع والخدمات باللغة الفرنسية، في إطار حماية هويتها الثقافية. وقد أثارت هذه الشروط استياء المفاوضين الأميركيين.
لكن هناك رواية أخرى للأحداث، مفادها أن المفاوضين الكنديين كانوا يقدمون تنازلات كثيرة، من بينها قبول الرسوم الجمركية على قطاعات السيارات والصلب والألومنيوم، إلى درجة دفعت عدداً من كبار السياسيين الكنديين إلى حث كارني على تشديد موقفه.
في المقابل، اتهم مسؤولون أميركيون كندا بإفشال الاتفاق من خلال السعي إلى الحصول على تنازلات إضافية في اللحظة الأخيرة.
وفي حرب الاتصالات التي رافقت المفاوضات، يبدو أن كارني خرج أكثر استفادة سياسياً. ويقول ليلاند إنه «يستطيع الدفاع عن قرار الانسحاب أمام الكنديين»، في حين تعاني الولايات المتحدة، بحسب تقييمه، من غرور ترامب ومن مسؤولين كبار يدفع بعضهم بأجنداته الخاصة.
وهكذا، لا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية، بل تعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين البلدين، بعدما انتقلت التجارة من كونها جسراً للتعاون إلى أداة ضغط في صراع سياسي واقتصادي متزايد.
كيف فاز كارني في هذه الجولة
…….. أظهرت استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال عطلة نهاية الأسبوع تأييدًا واسعًا لموقف كارني في جميع المقاطعات الكندية، فيما يمكن ملاحظة روح التحدي الراسخة في وسائل الإعلام الكندية.
وجاء في افتتاحية صحيفة «غلوب آند ميل»: «ستكون الفترة المقبلة صعبة، وقد يكون الضرر فادحًا، لكن لا ينبغي لأحد أن يتجاهل ما هو على المحك. كندا الحرة تستحق التضحية».
يقول ليلاند: «ما نشهده الآن هو دعم شبه كامل لرئيس الوزراء، ومشاعر هائلة بالوحدة الوطنية». ويمتد هذا الدعم حتى إلى مقاطعة كيبيك، التي شهد التأييد فيها للاستقلال عن بقية كندا تراجعًا إلى أدنى مستوياته منذ عقود.
ويقول ليلاند إن كارني، الذي عزز الدعم لحزبه الليبرالي بعد فترة من التراجع، يتمتع الآن بـ«انتصار سياسي رئيسي»، خصوصًا مع دفاعه عن حقوق اللغة، التي تُعد جزءًا لا يتجزأ من النسيج الثقافي لكندا.
لكن رفض كارني الانصياع للمطالب الأميركية لا يقتصر على هذه القضية، بل يأتي في إطار استراتيجية أوسع. ويقول ليلاند: «ما نشهده الآن هو امتداد منطقي لخطاب دافوس، الذي كان بمثابة تحذير، ومهّد في الوقت نفسه للطريقة التي ستتصرف بها كندا».
وفي الوقت الراهن، يعمل كارني على تعزيز العلاقات التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يثير استياء المفاوضين الأميركيين.
ويقول ليلاند: «الرسالة هي أن كندا لطالما تمتعت بعلاقة مثمرة للغاية مع الولايات المتحدة، لكن ذلك انتهى. الآن سننسحب من المفاوضات إذا حدث أي تآكل في سيادتنا».
وفي المقابل، يمكن مقارنة هذا التماسك الكندي برد الفعل المحلي في الولايات المتحدة، حيث تشير التقارير، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، إلى أن ترامب يتجه نحو مواجهة بشأن التعريفات الجمركية مع الجمهوريين في مجلس الشيوخ.
وكما أشار الخبير الاقتصادي المخضرم بول كروغمان أمس: «إن الولايات المتحدة تعتمد على السلع الكندية أكثر بكثير مما يدركه معظم الأميركيين».
المزاج في كندا
يقول ليلاند: «هناك هدف غير متكافئ في هذه الحرب؛ فكندا تقاتل من أجل سيادتها وهويتها الوطنية، بينما تقاتل الولايات المتحدة فقط من أجل سلع أرخص».
ولعل هذا يفسر سبب الدعم الشعبي الواسع والمستمر لمقاطعة المنتجات الأميركية بين الكنديين. فقد برزت المقاطعة الشعبية بوصفها رد فعل استهلاكيًا على الحرب التجارية، مع ظهور تطبيقات للمسح الضوئي في المتاجر الكبرى، مثل «Maple Scan»، لمساعدة المستخدمين على اختيار المنتجات الكندية.
وليلاند أب لطفلين صغيرين يحبان تناول التوت، وهو الآن يتفحص كل عبوة في ممرات البقالة لمعرفة مصدر زراعتها. ويقول: «أتذكر فترة كان فيها التوت الأميركي يُباع بأكبر خصم، لأنه لم يكن يُباع».
كما كان لتراجع السياحة عبر الحدود أثر مدمر على الشركات الأميركية. فبعد انخفاض عدد الزوار الكنديين بنسبة 26% في عام 2025، أطلقت ولاية نيويورك هذا الشهر حملة ترويجية بعنوان «نيويورك تحب كندا»، في محاولة لاستمالة جيرانها الشماليين مجددًا.
يقول ليلاند: «يعلم كل كندي أن هذه ليست معركة يريد أن يخوضها، لكنهم يعتقدون الآن أنها معركة تستحق خوضها».
وأظهرت استطلاعات الرأي التي أُجريت في نهاية الأسبوع أن الجمهور الكندي يشعر بالإحباط والغضب والإرهاق بعد 18 شهرًا من الاضطرابات المرتبطة بالتعريفات الجمركية. لكن، وكما هو الحال مع رئيس وزرائهم، لا يبدو أنهم ينوون التراجع.


