FeaturedPolitics

ضربة ديمونا… لحظة مفصلية في حرب مفتوحة

منذ ليل أمس، دخلت الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة غير مسبوقة، عنوانها الأبرز: كسر الخطوط الحمراء.

الضربة الإيرانية التي استهدفت محيط ديمونا لم تكن مجرّد رد عسكري تقليدي، بل شكلت تحولاً نوعياً في مسار المواجهة، مع انتقال الاستهداف إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في إسرائيل، أي محيط منشآتها النووية.بحسب المعطيات المتقاطعة، أطلقت إيران دفعة من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى باتجاه جنوب إسرائيل، سقط بعضها في مدينتي ديمونا وعراد، متسبباً بإصابة عشرات الأشخاص وحدوث دمار واسع في الأبنية السكنية.

اللافت في هذه الضربة أن أحد الصواريخ سقط قرب مركز الأبحاث النووية في النقب، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ بداية الحرب.ورغم أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت عدم تسجيل أي تسرّب إشعاعي أو أضرار مباشرة في المنشأة النووية، إلا أن مجرد استهداف هذه المنطقة رفع مستوى القلق إلى حدوده القصوى، نظراً لما قد يحمله أي خطأ في الحسابات من كارثة تتجاوز حدود المنطقة.من التهديد إلى التنفيذ الضربة لم تأتِ من فراغ.

منذ أسابيع، كانت طهران تلوّح بإدخال ديمونا في بنك الأهداف، رداً على الضربات التي طالت منشآتها النووية، خصوصاً في نطنز.لكن ما كان يُعتبر تهديداً نظرياً، تحوّل ليلاً إلى واقع ميداني، في رسالة واضحة: إيران قررت رفع سقف المواجهة إلى مستوى استهداف البنية الاستراتيجية. وتؤكد القراءة العسكرية أن اختيار ديمونا لم يكن عشوائياً، بل يحمل أبعاداً سياسية وعسكرية معاً، إذ يشكّل الموقع رمزاً للقوة النووية الإسرائيلية، واستهدافه حتى بشكل غير مباشر يعني نقل الحرب إلى مستوى الردع المتبادل.

فشل جزئي للدفاعات… وتبدّل في قواعد الاشتباكمن أبرز ما رافق الهجوم، إقرار الجيش الإسرائيلي بفشل بعض أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض عدد من الصواريخ، ما فتح نقاشاً واسعاً داخل إسرائيل حول فعالية منظومات الحماية في مواجهة هجمات مكثفة ومتطورة.

هذا التطور يُعد مؤشراً خطيراً، لأنه يعني أن المعركة لم تعد تحت السيطرة الكاملة، وأن هامش الخطأ بات أكبر، خصوصاً مع استخدام إيران لصواريخ بعيدة المدى ومتعددة الرؤوس، قادرة على تجاوز أنظمة الدفاع.

في موازاة التصعيد الميداني، جاءت المواقف السياسية لتزيد المشهد تعقيداً. الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع سقف التهديد، ملوّحاً بضرب البنية التحتية الإيرانية، خصوصاً منشآت الطاقة، في حال استمرار التصعيد أو إغلاق مضيق هرمز.وفي الوقت نفسه، أرسل إشارات متناقضة، إذ لمح إلى إمكانية تقليص العمليات العسكرية، ما يعكس ارتباكاً في إدارة الحرب، بين الرغبة في الحسم العسكري والخشية من توسّع النزاع إقليمياً.تداعيات تتجاوز إسرائيل

ما جرى في ديمونا لا يمكن قراءته كحدث منفصل. الضربة جاءت ضمن سلسلة هجمات إيرانية طالت أيضاً قواعد ومصالح أميركية في المنطقة، وصولاً إلى محاولات استهداف مواقع بعيدة مثل قاعدة دييغو غارسيا.كما أن تداعياتها لم تقتصر على الجانب العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، مع استمرار التوتر في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة، ما يضع العالم أمام أزمة أوسع تتجاوز حدود الشرق الأوسط.

لبنان في قلب المشهدبالنسبة للبنان، فإن ضربة ديمونا تشكّل مؤشراً إضافياً على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة. فكلما ارتفع مستوى الاستهداف بين إيران وإسرائيل، زادت احتمالات انعكاس ذلك على الجبهة الجنوبية، حيث يتصاعد التوتر بشكل متوازٍ.

التطور الأخطر أن قواعد الاشتباك التي كانت تضبط المواجهة سابقاً بدأت تتآكل تدريجياً، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، من توسيع العمليات البرية إلى استهداف أعمق داخل الأراضي اللبنانية.

ما بعد ديمونا ليس كما قبلها. الضربة الإيرانية، حتى وإن لم تصب المنشأة النووية مباشرة، كسرت حاجزاً نفسياً واستراتيجياً مهماً. إسرائيل من جهتها توعّدت بالرد، فيما تبدو إيران مستعدة لمواصلة التصعيد ضمن استراتيجية “العين بالعين”.نحن اليوم أمام مشهد شديد التعقيد، حرب لم تعد موضعيةجبهات مترابطة وسقف تصعيد يرتفع تدريجياً وفي ظل هذا الواقع، يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو استمرار المواجهة ضمن هذا “التصعيد المضبوط”، لكن مع خطر دائم بأن ينزلق أي خطأ، أو ضربة غير محسوبة، إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

باختصار، ديمونا لم تكن مجرد هدف… بل كانت رسالة. والرسالة وصلت: المنطقة دخلت مرحلة جديدة، عنوانها أن كل شيء بات ممكنا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *