مميزسياسة

فرنسا تدخل المعادلة اللبنانية الإسرائيلية: بارو في بيروت

تستعد فرنسا لإطلاق تحرك دبلوماسي حاسم في لبنان، عبر زيارة وزير خارجيتها جان-نويل بارو الخميس، في وقت تشهد المنطقة تصعيدًا عسكريًا بين إسرائيل وحزب الله، أسفر عن نزوح أكثر من مليون شخص وسقوط نحو 968 قتيلًا، بينهم 116 طفلاً، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.

الزيارة، التي أكدت وزارة الخارجية الفرنسية أنها تعكس دعم فرنسا وتضامنها مع الشعب اللبناني الذي “جُرّ إلى حرب لم يخترها”، تهدف إلى فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع الأطراف اللبنانية الرئيسة، من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الوزراء نواف سلام إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري، لاستطلاع مواقفهم حول سبل خفض التصعيد وإيجاد مخرج سياسي للأزمة.

وتأتي هذه الجولة في إطار مساعي باريس لإعادة رسم قواعد الاشتباك، حيث لم تعد المبادرة محصورة بوقف النار فقط، بل تشمل محاولة إدخال لبنان في مسار سياسي جديد لإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، ولو بصيغة غير مباشرة. ويعكس هذا الطرح إدراكًا أوروبيًا بأن استمرار المواجهة الحالية يُضعف الدولة اللبنانية ومؤسساتها، بينما يظل الحسم العسكري ضد حزب الله بعيد المنال.

لكن المبادرة الفرنسية تواجه تحديات جسيمة:

الشكوك الإسرائيلية: تل أبيب تُصرعلى أي اتفاقيات يجب أن تمنحها مكاسب أمنية واضحة، بينما تميل إلى ترجمة التفوق العسكري إلى شروط تفاوضية، لا العكس.

التعقيدات اللبنانية الداخلية: يرتبط ملف سلاح حزب الله بتوازنات سياسية وطائفية دقيقة، ما يجعل فرض خطوات عملية لإزالة السلاح أمرًا صعبًا، حتى مع الدعم الدولي.

التناقض التنفيذي: كما أشار الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لو دريان، لا يمكن مطالبة لبنان بخطوات سيادية كبيرة تحت ضغط الحرب، مما يحول أي جدول زمني طموح إلى طرح نظري أكثر منه خطة قابلة للتطبيق.

على الأرض، يبدو أن إسرائيل تسعى لكسب الوقت، مستفيدة من التفوق العسكري لفرض وقائع جديدة في الجنوب اللبناني، بينما يُنظر إلى المبادرة الفرنسية على أنها محاولة استباقية لمنع انزلاق الأمور إلى حرب أوسع، أكثر من كونها مسارًا ناضجًا لتسوية نهائية.

في الوقت نفسه، تسعى فرنسا إلى تقديم نفسها كوسيط متوازن، قادر على مخاطبة جميع الأطراف، وهو الدور الذي يدعمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر قنواته المفتوحة مع القوى الإقليمية، بما في ذلك واشنطن وتل أبيب. وقد أجريت اتصالات هاتفية بين وزير الخارجية الفرنسي ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، إضافة إلى مسؤولين أميركيين، تمهيدًا لزيارته.

كما تعكس المبادرة الفرنسية الحرص على الجانب الإنساني، إذ أرسلت باريس الأسبوع الماضي 60 طناً من المساعدات إلى لبنان، ومن المتوقع أن يعلن وزير الخارجية خلال زيارته عن “حزمة جديدة من المساعدات الإنسانية”، لمواجهة آثار النزوح والكوارث الناتجة عن الغارات الإسرائيلية.

وتؤكد المصادر الدبلوماسية أن نجاح المبادرة الفرنسية مرهون بتقاطع الإرادات الدولية والإقليمية، وقدرة الداخل اللبناني على إعادة تعريف أولوياته السيادية، خصوصًا فيما يتعلق بملف سلاح حزب الله. وحتى ذلك الحين، تبقى الجولة الفرنسية إطارًا لإدارة الأزمة وتقليل الخسائر الإنسانية، أكثر من كونها خطة لحل نهائي للنزاع.

إجمالًا، تأتي زيارة جان نويل بارو لتعكس اتجاهًا فرنسيًا جديدًا يتجاوز إدارة التصعيد العسكري إلى محاولة فرض إيقاع دبلوماسي موازٍ للميدان، مع التركيز على خفض حدة النزاع، دعم المؤسسات اللبنانية، وإبقاء كل الأطراف تحت الضغط السياسي والدبلوماسي، مع ضمان استمرار المساعدات الإنسانية وتخفيف معاناة المدنيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *