International and regional

كارثة بيئية تضرب العراق: نفوق مئات الأطنان من الأسماك يدمّر أرزاق المزارعين

في مشهد يلخّص هشاشة الواقع البيئي والاقتصادي في العراق، وقف حيدر كاظم أمام أحواضه الفارغة على ضفاف نهر دجلة، يشاهد نهاية مشروعٍ استغرق بناؤه أكثر من عام ونصف. خلال ساعتين فقط، نفقت نحو 300 طن من الأسماك التي كان يربّيها، بعدما اجتاحت المياه الملوثة أحواضه في قضاء الزبيدية بمحافظة واسط.

الرجل، وهو أب لثمانية أبناء، لم يخسر فقط إنتاجه، بل خسر استقرار عائلته ومصدر رزقه الوحيد. يقول إن الخسائر تجاوزت مليون دولار، وإنه بات عاجزاً عن تسديد التزاماته أو إعادة إطلاق المشروع، في ظل غياب أي دعم رسمي أو تعويض حتى الآن.

هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي ضمن أزمة أوسع تضرب المنطقة. فبعد إطلاق كميات كبيرة من المياه من سد حمرين في محافظة ديالى إثر أمطار غزيرة، اندفعت هذه المياه باتجاه نهر ديالى، قبل أن تلتقي بدجلة في منطقة تعاني أصلاً من تصريف مياه صرف صحي غير معالجة. هذا التداخل أدى إلى تحريك ترسبات ملوثة وتوسيع نطاق التلوث باتجاه الجنوب الشرقي.

صور الأقمار الصناعية أظهرت بوضوح امتداد كتلة مائية داكنة عند نقطة التقاء النهرين، ما يشير إلى ارتفاع تركيز الملوثات وانخفاض قدرة المياه على التخفيف الطبيعي. ووفق مختصين، فإن هذا النوع من التلوث لا يدمّر الثروة السمكية فقط، بل يهدد أيضاً مصادر مياه الشرب ومحطات المعالجة.

الأضرار لم تقتصر على مزرعة واحدة. فقد أكدت السلطات المحلية في واسط نفوق أكثر من ألف طن من الأسماك، في حين سُجلت حالات تسمم وإصابات جلدية بين السكان، ما دفع الجهات الرسمية إلى التحذير من استخدام مياه دجلة للشرب أو الاستهلاك المنزلي في بعض المناطق.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت وزارة البيئة أنها تعمل على منع تكرار هذه الحوادث، فيما أشارت أمانة بغداد إلى خطط لإطلاق وحدات جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي. لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تطرح تساؤلات حول تأخرها، في بلد يعاني منذ سنوات من ضعف البنية التحتية وسوء إدارة الموارد.

الأزمة البيئية في العراق لا يمكن فصلها عن عوامل أعمق. فالتراجع الحاد في منسوب نهري دجلة والفرات، نتيجة قلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الإمدادات المائية من دول الجوار، زاد من تركيز الملوثات وجعل الأنظمة البيئية أكثر هشاشة. ومع استمرار التغير المناخي، تصبح هذه الكوارث أكثر تكراراً وأشد تأثيراً.

ما حدث في واسط ليس مجرد حادثة نفوق جماعي للأسماك، بل مؤشر على خلل بنيوي في إدارة المياه والبيئة، حيث تتقاطع الأزمات الطبيعية مع الإهمال البشري لتنتج خسائر مباشرة تمس حياة الناس. وبينما يحاول مزارعون مثل حيدر كاظم استيعاب الصدمة، يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الكارثة إلى نقطة تحوّل في السياسات البيئية، أم أنها ستُضاف إلى سلسلة الأزمات التي يعتاد عليها العراقيون دون حلول جذرية؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *